كيف يعمل تدني تقدير الذات ويصنع الانسحاب الاجتماعي

Blog_image
  • غدير الهندي
  • 19 Feb 2026

كيف يعمل تدني تقدير الذات ويصنع الانسحاب الاجتماعي

ليس الخجل دائمًا سمة عابرة كما يبدو للآخرين، بل قد يكون في كثير من الحالات نتيجة منظومة نفسية متكاملة تشكلت عبر سنوات، يبدأ الأمر حين يختلط على الإنسان الفرق بين (الحقيقة والرأي) فيتعامل مع أحكام قديمة عن ذاته وكأنها وقائع ثابتة. تتكون هذه الأحكام غالبا في مراحل مبكرة من الحياة، ثم تترسخ لتصبح عدسة يفسر عبرها الفرد تجاربه اللاحقة، فيقرأ الإشارات المحايدة كتهديد، ويبحث دون وعي عن أدلة تؤكد له أنه غير كفء أو غير مقبول.

ولكي يتعايش الشخص مع هذا التقييم الداخلي القاسي، ويطور ما يمكن تسميته (بالقواعد الصارمة) ، أن ينال موافقة الجميع، أو أن يلتزم بصورة مثالية أمام الآخرين ، هذه القواعد تمنحه أمانا مؤقتا لأنها تقلل احتمال النقد أو الرفض، لكنها تحمل مفارقة واضحة وهي عندما ينجح ينسب الفضل للقاعدة لا لكفاءته، وعندما يتعثر يحمّل ذاته المسؤولية كاملة ، وهكذا تبقى المعتقدات السلبية حيه، ويتحول السعي إلى الإتقان إلى ضغط دائم يستهلك الطاقة ويغذي القلق.

ومن هنا يصبح الانسحاب الاجتماعي مفهومًا بوصفه سلوكًا تجنيبا أكثر منه كسلا أو خمولا كما يعتقد الجميع ،  فالموقف الاجتماعي قد يفعل استجابات جسدية مثل تسارع نبض القلب، التعرق الارتباك أو انقباض المعدة، فيتعلم الدماغ أن الهروب هو الطريق الأسرع لتخفيف التوتر ناهيكم عن أن هذا الارتياح لحظي قد يكلف جداً لا حقاً لأنه يمنع الفرد من اختبار خبرات قد تؤكد له أنه قادر وأن توقعاته عن الرفض ليست قاعدة عامة، فتتسع تدريجيا  دائرة الانفصال عن الناس.

وقد تبدو الصورة مضللة أحيانا إذ يظهر بعض الأشخاص ناجحين ومنتجين واجتماعيين، بينما يكون تقديرهم لذواتهم هشا ومعلقا بشرط الالتزام الدائم بتلك القواعد ، في مثل هذه الحالة، لا تعالج النجاحات سطح المشكلة، لأنها لا تصل إلى الجذور، بل تغطيها مؤقتا لذلك يكفي نقد بسيط أو تعثر محدود كي تعود الأفكار القديمة بقوة، وكأن النجاح لم يكن دليلًا على الكفاءة بل مجرد “استثناء” نجح صاحبه في صناعته بحذر شديد.

أما على مستوى البيئة، فالمسألة لا تختزل في أن التكنولوجيا تصنع العزلة مباشرة، بل إن بعض أنماط التفاعل الرقمي قد تزيح التفاعل الواقعي وتقلل فرص التدريب على مهارات اجتماعية حقيقية مثل قراءة لغة الجسد، إدارة الحوار، وتحمل التوتر الطبيعي أثناء التواصل، وفي الوقت ذاته تؤثر الأسرة بعمق فالتسلط أو الإهمال العاطفي أو النقد المستمر قد يدفع الأفراد في البيت إلى الانسحاب نحو عالم داخلي أكثر أمانًا.

وهنا يبرز دور التدريب والتطوير بوصفه تدخلا عمليا يركز على المهارات ، كما أنه مساعدة المتدرب على التمييز بين ما حدث فعلاً وما فسره عن ذاته، تحويل القواعد الصارمة إلى قواعد مرنة، التدريب التدريجي على التواصل عبر محاكاة المواقف، وبناء مؤشرات تقدم قابلة للقياس ، وفي الحالات التي تتجاوز نطاق التدريب، تبقى الإحالة إلى الدعم المتخصص إجراء مهني حتمي يحمي الفرد ويضمن مسارا آمنا  للتعامل مع التعقيدات الأكبر.