لماذا نتعطل عن التفكير أحيانا؟

Blog_image
  • مريم قاسم
  • 26 Feb 2026

لماذا نتعطل عن التفكير أحيانا؟

نتعطل عن التفكير أحيانا لا لأن العقل يتوقف فعلاً، بل لأننا ندخله في لحظة مزدحمة لا تسمح له أن يعمل بطبيعته فالعقل يحتاج مساحة كي يقارن ويختبر ويتخيل ويصنع بدائل، أما حين تتراكم المهام والرسائل والقرارات الصغيرة في الوقت نفسه فأنه يتحول الى وضع إدارة الطوارئ، ونشعر عندها بأن الأفكار بعيدة وأن أبسط خطوة صارت ثقيلة.

هناك فرق مهم بين أن يكون العقل فارغاً وبين أن يكون ممتلئا، هناك مصطلح يطلق عليه بالذاكرة العاملة وهي المساحة التي نمسك فيها المعلومات مؤقتاً ولها سعة محدودة، عندما تتجاوزها تتراجع جودة التفكير ويزيد التشوش فنشعر بأننا لا نستطيع البدء أو أننا نعيد نفس الجملة في رؤوسنا دون تقدم، وهذا يفسر لماذا يفتح العقل فجأة بعد أن نكتب الأشياء أو نرتبها أو نغلق بعض الملفات الصغيرة، لأننا ببساطة خففنا الحمل عن تلك المساحة المؤقتة فصار لدينا مجال للحركة الذهنية.

ثم هناك سبب آخر يظهر كثيراً في البيئات الاجتماعية، وهو شعور التقييم عندما يخاف الانسان من الخطأ أو من نظرة الآخرين أو من أن يبدو أقل من المتوقع، فإن الانتباه ينتقل من مهمة التفكير الى مهمة الحماية، فتظهر علامات مثل التردد، أو الصمت، أو الدفاع، أو الانشغال باختيار الكلمات أكثر من الانشغال بالفكرة نفسها، وبعد انتهاء الموقف قد تعود الأفكار فجأة لأن مستوى الأمان ارتفع، فعاد العقل الى وضع الاستكشاف، هذه ليست سمة شخصية بقدر ما هي استجابة طبيعية حين يشعر الانسان أنهه تحت مجهر.

وفي لحظات التعطل نميل أيضا الى الوقوع في فخ التفكير السريع الذي يلتقط أول تفسير وأول حل ثم يغلق الباب أمام بقية الاحتمالات، دانيال كانيمان في كتاب التفكير السريع والبطيء شرح كيف يعتمد العقل على اختصارات ذهنية لتوفير الجهد وكيف يمكن لهذه الاختصارات أن تجعلنا نرى المشكلة أكبر مما هي أو نصدق أول فكرة مزعجة ثم نستنتج بأنناعاجزون، مع أن العجز الحقيقي هو أننا توقفنا عند أول مسار ولم نسمح للعقل أن يفتح مسارات أخرى.

والأكثر خداعا هو الخلط بين التفكير والقلق، فالقلق يبدو مثل التفكير لأنه مليء بالجمل الداخلية لكنه في الحقيقة دوران حول الخطر لا بناء الخيار، قد نظن بأننا نفكر لأننا مشغولين طوال الوقت، بينما في الحقيقة أننا نكرر نفس السؤال بصيغة مختلفة من غير أن نتقدم خطوة جديدة ولهذا أقول دائما أن علامة التفكير المنتج ليست كثرة الانشغال، بل ظهور خطوة أو فرضية أو بديل يمكن اختباره.

أما ما يعيد تشغيل العقل فعادة لا يكون فكرة كبيرة، بل حركة صغيرة تعيد ترتيب المشهد، من أبسط ما يساعد الإنسان في هذا الموقف هو إخراج المحتوى من الرأس الى ورقة واحدة، يكتب كل ما يقلقه وما يجب فعله وما الذي لم يحسم بعد، ثم نعيد صياغته كعناوين قصيرة، فحين يخرج المحتوى الى الخارج يخف الضغط داخل الذاكرة العاملة ويعود وضوح القرار.

كما يجب أن نخفف من معيار الكمال لأن العقل الابداعي لا يفتح أفكاره تحت التهديد ، كثيرون يتعطلون ليس لانهم لا يملكون فكرة بل لانهم يرفضون الفكرة الأولى قبل ان تكتمل فيتوقف التدفق ، ثم يأتي دور السؤال الجيد لأن السؤال يحدد اتجاه العقل أكثر مما تفعل الاجابة ،وفي النهاية من المهم أن نعامل التعطل كإشارة لا كحكم .