نظريات التفكير عبر التاريخ: من سؤال الفلاسفة الى مختبرات العلم

Blog_image
  • مريم قاسم
  • 18 Feb 2026

نظريات التفكير عبر التاريخ: من سؤال الفلاسفة الى مختبرات العلم

حين نتحدث اليوم عن نظريات التفكير، يتبادر الى الذهن التفكير النقدي، وحل المشكلات، واتخاذ القرار، وربما أيضا فكرة التفكير السريع والبطيء.

غير أن هذه المفاهيم لم تظهر دفعة واحدة، ولم تنشأ في بيئة واحدة، بل هي حصيلة مسار تاريخي طويل بدأ من اسئلة الفلاسفة حول المعرفة واليقين والمنطق، ثم انتقل الى ميدان التربية بوصف التفكير مهارة يمكن تعلمها وصقلها، قبل ان يستقر في القرن العشرين داخل علم النفس والعلوم المعرفية باعتباره عملية ذهنية قابلة للملاحظة غير المباشرة والقياس والنمذجة.

هذه المقالة تقدم سردا تاريخيا مبسطا لكنه متماسك، يوضح كيف تشكلت فكرة التفكير كنظرية، وكيف تغيرت الادوات التي نستخدمها لفهمه، ولماذا انتهينا الى تعدد النظريات بدلا من نظرية واحدة شاملة.

في الفلسفة الكلاسيكية لم يكن التفكير موضوعا تجريبيا، بل كان جزءا من مشروع البحث عن الحقيقة. وقد شكل المنطق عند ارسطو نقطة تأسيسية مبكرة، اذ وضع قواعد للاستدلال وكيفية الانتقال من مقدمات الى نتائج بطريقة صحيحة هذا التأسيس جعل التفكير أقرب الى معيار للحكم على صحة الحجة، لا الى وصف لما يحدث داخل العقل نفسه.

ومع الفلسفة الحديثة صار التفكير مرتبطا بالمنهج ديكارت، على سبيل المثال، قدم الشك المنهجي بوصفه طريقا لتنقية المعرفة من الأوهام، وربط التفكير بقواعد صارمة تحكم الوصول الى اليقين ثم جاء هيوم ليؤكد ان جزءا كبيرا من معتقداتنا ينشأ من الخبرة والعادة، وان العقل وحده لا يفسر كل شيء، وهو ما فتح بابا للتساؤل عن دور التجربة في بناء  وفي المقابل قدم العالم كانت فكرة شديدة التأثير مفادها ان العقل لا يكتفي باستقبال الخبرة، بل ينظمها عبر بنيات ومقولات تجعل المعرفة ممكنة من الأساس.

يمكن النظر الى هذه المرحلة بوصفها المرحلة التي صاغت الاسئلة الكبرى: ما المعرفة؟ ما البرهان؟ ما حدود العقل؟ وهي اسئلة ستظل حاضرة حتى بعد انتقال التفكير الى العلوم الحديثة، لكن بصيغ جديدة وادوات مختلفة.

في مطلع القرن العشرين برز تحول مهم: التفكير لم يعد شأنا فلسفيا خالصا، بل صار قضية تربوية.

 هنا يبرز جون ديوي بوصفه واحدا من أهم من اعادوا تعريف التفكير على نحو عملي، في كتابه "كيف نفكر" قدم ديوي مفهوم التفكير التأملي بوصفه عملية تبدأ من الشعور بالمشكلة او الحيرة، ثم تتدرج نحو تحديد المشكلة، واقتراح فرضيات، واختبارها، وصولا الى استنتاج عملي مؤيد بالأدلة

ولم يقف ديوي عند وصف العملية، بل جعل التعليم بيئة لصناعة هذا النوع من التفكير ،فالتعلم عنده خبرة منظمة، والتفكير ليس مجرد تجريد، بل اداة لتوجيه الفعل في الحياة اليومية  ومن هنا ظهرت فكرة محورية ستؤثر لاحقا في التدريب والارشاد والكوتشينغ: اذا كان التفكير عملية، فهو قابل للتطوير عبر أسئلة جيدة، وتدريب منظم، وممارسة متكررة.